فرصة أخيرة للسلام: هل يشهد الشرق الأوسط تحولاً استراتيجياً حقيقياً؟
مقال لـ حسام زكي

ترجمة – نبض الشام
في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، تتجدد التساؤلات حول فرص تحقيق سلام حقيقي واستقرار دائم في المنطقة. يؤكد حسام زكي، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، أن السلام لم يعد طموحاً إقليمياً بل ضرورة عالمية، مشدداً على مركزية القضية الفلسطينية، والتحديات التي تفرضها سياسات إسرائيل، إضافة إلى أهمية معالجة الديناميكيات الجيوسياسية الأوسع، وخاصة مع إيران، لإرساء مستقبل قائم على التعايش والتعاون.التحولات الجيوسياسية وأهمية المنطقة.
التحولات الجيوسياسية وأهمية المنطقة
في أنحاء الشرق الأوسط، يتساءل المحللون والرأي العام على حدٍ سواء عن كيفية تأثير التغيرات التي تشهدها المنطقة على توازن القوى الهش القائم، وهل يمكن لهذه التغيرات أن تفتح الباب، أخيراً، لعصر من التعايش السلمي والازدهار.
ومن المسلم به أن الوزن الاستراتيجي لمنطقتنا لا يقتصر على السياسة أو الأمن فقط، بل يكمن أيضاً في دورها المتزايد المحوري في الاقتصاد العالمي. فالممرات البحرية الحيوية، بما في ذلك مضيق هرمز وقناة السويس، تُعد شرايين أساسية للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة. وفي الوقت نفسه، تستثمر العديد من دول الخليج العربي بشكل كبير في الصناعات الناشئة مثل الطاقة المتجددة والتقنيات المتقدمة. ومن الواضح أن إحلال السلام والاستقرار في الشرق الأوسط لم يعد طموحاً إقليمياً فحسب، بل أصبح ضرورة عالمية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بازدهار العالم بأسره.
رؤية عربية للسلام العادل
وبالنسبة إلى جامعة الدول العربية، فإن واقعاً استراتيجياً جديداً في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق إلا عند تنفيذ رؤية حقيقية للسلام. والرؤية التي نضعها نصب أعيننا تقوم على حل الدولتين: استعادة الحقوق الفلسطينية في الاستقلال والكرامة، يليها تنفيذ الانخراط في السلام كما ورد في مبادرة السلام العربية، مما يفتح الباب لعصر من السلام والاستقرار الحقيقيين في المنطقة.
الأمن الإقليمي: المقاربة العربية
لكن الأمن الإقليمي يُنظر إليه بشكل مختلف من قبل أطراف متعددة في المنطقة. فبالنسبة للعرب، واستناداً إلى قرارات القمم العربية، تقوم فكرة الأمن الإقليمي على خمسة أعمدة رئيسية:
1. إنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي وقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات تواصل جغرافي.
2. احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
3. إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية في الإقليم.
4. مكافحة الإرهاب بشكل لا هوادة فيه، والحفاظ على الدولة الوطنية.
5. ضمانات أمنية للجميع، ومصالح مشتركة حيثما تنطبق.
ومن منظور عربي، ورغم أن هذه العناصر جميعاً ضرورية للتوصل إلى صيغة قابلة للاستمرار وفعالة للأمن الإقليمي، فإننا نرى في هذه المعادلة مكسباً لجميع الأطراف. ولسوء الحظ، لا يمكننا قول الشيء نفسه عن الرؤية التي تطرحها أطراف أخرى في منطقتنا، مثل إسرائيل.
إسرائيل وتفكيك مفهوم السلام
فلعدة سنوات، وخاصة بعد اتفاقات أوسلو عام 1993، ارتكز مفهوم الأمن الإقليمي بالنسبة لإسرائيل أساساً على تحقيق التفوق العسكري والأمني، مع “تأجيل إلى أجل غير مسمى” لأي حل قابل للتطبيق للقضية الفلسطينية، ودون تقديم أي رؤية حقيقية لتحقيق سلام عادل وشامل. ومنذ السابع من أكتوبر 2023، يبدو أن “التأجيل إلى أجل غير مسمى” قد تم استبداله بمحاولة “القضاء الكامل” على القضية الفلسطينية.
إن تحقيق السلام المستدام يتطلب معالجة الديناميكيات الجيوسياسية الأوسع، لا سيما تلك المتعلقة بإيران.
وإذ تُدفع إسرائيل من قبل قواها اليمينية المتطرفة وتقدمها خلال العقدين الماضيين، فإن هذه الرؤية تُشكل عقبة كبيرة أمام السلام والازدهار في المنطقة. إن تمكين تلك القوى من الاستمرار على هذا النهج ليس سوى وصفة لمزيد من الصراع وعدم الاستقرار. فهذه معادلة صفرية لا تتيح مجالًا لمعادلة الكل رابح، ولا تمثل خلاصًا للمنطقة، ولا تفي بأي طموح للتعايش السلمي فيها.
إيران والتوازن الإقليمي
في الوقت نفسه، يتطلب تحقيق السلام المستدام معالجة الديناميكيات الجيوسياسية الأوسع، ولا سيما تلك المتعلقة بإيران. فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، اتخذت عدة دول عربية خطوات نحو خفض التصعيد واستعادة الحوار مع طهران، بهدف إقامة إطار يقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل. ويجب الحفاظ على هذا النهج وتعزيزه، لأنه يحمل في طياته إمكانية خفض التوترات ومنع اندلاع مواجهة إقليمية أوسع. ولكي يترسخ السلام، يجب على جميع الأطراف الإقليمية أن تتخلى عن سياسات الاستفزاز والهيمنة الأيديولوجية، وأن تلتزم بدلاً من ذلك بمبادئ التعايش والتعاون المتوازن.
نظرة العرب المتشائمة
وأُقِرّ بأنه في لقاءاتي العديدة في العالم العربي، وخاصة بعد أن شهدتُ الفظائع التي ارتكبتها إسرائيل في غزة خلال 21 شهراً من الحرب الإبادة، أتوصل غالباً إلى الاستنتاج المؤسف بأن العديد من العرب، وخاصة الشباب، قد فقدوا الإيمان بأن السلام سيكون هو السائد في منطقتنا في المستقبل المنظور، وبأنها محكومة بطريقة ما بعدم الاستقرار والاضطراب الدائمين. فالحظات القصيرة من السلام التي شهدها عقد التسعينيات تبدو وكأنها ذكريات بعيدة جداً. ومن المستحيل تصوّر أي إمكانية لإحيائها من جديد.
فرصة لا يجب إضاعتها
ويتعين على جميع الأطراف القوية، داخل المنطقة وخارجها، أن تسعى لتغيير هذه النظرة اليائسة، إذا كنا نطمح إلى مستقبل أفضل وأكثر ازدهاراً للأجيال القادمة. وعلى حد علمي، فقد أعربت عدد من الدول العربية التي تلعب دوراً رئيسياً في المنطقة عن استعدادها للانخراط في نقاشات جادة بشأن هذا الملف.
ومع ذلك، فإن غياب الرغبة الإسرائيلية في الانخراط في مسار قابل للتحقيق من أجل السلام، قد يجعل هذا الجهد بلا جدوى. ويبقى الأمل في أن يتدخل رئيس أمريكي نشِط وذو دافعية لترجيح الكفة، ليس فقط من أجل الأخلاق والقانون، بل كذلك من أجل المصالح المشتركة وصيغة تحقق مكسباً للجميع، تأخذ في الاعتبار هواجس جميع الأطراف. لا يزال ذلك ممكناً. فلنُحسن استغلال هذه الفرصة.




